اللغة الأمازيغية..بين حتمية الحلول الرقمية ومخاوف إنقراض روافدها اللسانية

مع إعتماد الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية بموجب مخرجات دستور نوفمبر 2020، و في سياق بناء “الجزائر الجديدة”، يكون هذا البعد من أبعاد الهوياتية للأمة الجزائرية، قد حقق قفزة نوعية على مستوى النص التشريعي الأول في البلاد، معززا بذلك حضوره الميداني كلغة مكرّسة في المدرسة، الجامعة والإعلام وفي الفضاء العام، منذ تسعينات القرن الماضي، فهذا التواجد في مختلف القطاعات السالفة الذكر، سيضع المختصين في المجال ضمن مضمار سباق محموم لتكثيف عملية الإنتاج العلمي، المعرفي-البيداغوجي والإبداعي، لتمكين كل من التلميذ، الطالب الجامعي، الأستاذ و الجمهور العام من ذات اللغة، عبر برامج مؤسساتية عمومية (مدرسة، جامعة، مراكز بحث..) أو من خلال مبادرات فردية خاصة أو في إطار جمعيات ثقافية ناشطة في المجال، يتم فيها إعتماد طرق تقليدية و جديدة لكسب رهان التعليم/ التعلم والتلقي، وهو من شأنه أن يُكرّس حضورها (الأمازيغية) الوطني بجميع متغيراتها اللسانية المتنوعة، فضلا عن البحث عن حلول لمختلف الإشكالات القائمة التي تواجهها كلغة متعددة الروافد اللسانية وتراث ثقافي متشعب بحاجة إلى رعاية إستثنائية لصونه و الحفاظ عليه من الزوال.
تنوعات لسانية أمازيغية .. صراع من أجل البقاء !
أخذ الأباء المؤسسون لقواعد اللغة الأمازيغية المعيارية خلال العقود الماضية، كمولود معمري وغيره من الباحثين في اللسانيات الأمازيغية، على عاتقهم تحدي كبير متمثل في كيفية صون الموروث الثقافي واللغوي المهدد بالزوال بكل تنوعاته اللسانية المتواجدة على المستوى الوطني، فعمدوا إلى نقله من حالته الشفاهية إلى الكتابية عبر عمليات تدوينة تكرست اليوم عبر ثلاث أبجديات (التفيناغ، اللاتيني، العربي)، مما أسهم خلال السنوات الأخيرة في إنعاش السوق الوطنية بالنسبة للكتاب الأمازيغي الذي أصبح متوفرا في مختلف المجالات العلمية والمعرفية والإبداعية، وحسب المختصين فقد شكلت هذه الخطوات التأسيسية الأولى للغة الأمازيغية المنقذ الحقيقي لهذا الموروث اللساني الغني و المتعدد (القبائلية، الشاوية، الشلحية، المزابية، الترقية…إلخ ) في ظل مخاوف جهر بها هؤلاء المختصون والمهتمون بذات التراث اللغوي، مستندين إلى وقائع ميدانية مدعومة بتلك التحذيرات التي تطلقها كل مرة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسيكو)، والقاضية بإختفاء 25 لغة كل سنة، وهو ما جعلها تناشد المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لحماية “اللغات الأم” المهددة بالزوال، عبر اللجوء إلى مختلف الطرق الممكنة التي تضمن لها البقاء والإستمرارية في ظل إفرازات “العولمة” الجارفة المهددة للخصوصيات الإجتماعية والثقافية للمجتمعات على غرار المجتمع الجزائري، فضلا عن بروز عوامل كثيرة أدت إلى إندثار عشرات من اللغات المحلية بسبب تراجع عدد المتحدثين بها.


رغم هذه المخاوف المشروعة من فقدان الموروث اللساني الأمازيغي، إلا أن المجهودات المبذولة من قبل المؤسسات الرسمية، ناهيك عن تلك المبادرات الجمعوية والفردية، ساهمت هذه الخطوات بشكل كبير في صون التركة اللسانية للجزائريين، سواء بإستعمال الطرق التقليدية في التدوين والكتابة والتسجيل، أو من خلال إستخدام سبل جديدة على غرار الحلول التكنولوجية التي أبانت عن نجاعة كبيرة في الحفاظ على مختلف المتغيرات اللغوية، وفي هذا الصدد يرى نورالدين دهان، أستاذ اللغة الأمازيغية (المتغير الزناتي) في الطور الإبتدائي ببلدية إقلي، بولاية بني عباس في تصريح لـ” الوطن برس” :”بأن إفرازات التكنولوجيات الجديدة خاصة الرقمية منها، ساهمت بدرجة كبيرة في تعليم وتطوير اللغة الأمازيغية خاصة في وقتنا الحالي مع إنتشار الإستعمال الكثيف لتقنيات الإتصال الحديثة على غرار الأنترنت، “الهواتف” و”اللوحات الإلكترونية الذكية”، و”الحواسب المحمولة” وهي كلها عوامل تسهّل على الأستاذ كما التلميذ عملية التدريس والتعلم”، موضحا في نفس السياق، بأن العديد من التطبيقات الرقمية على غرار (أموالamawal )، وهو معجم رقمي ضخم يمكن تحميله عبر الأنترنت حيث يتيح شرح المفردات الأمازيغية المتداولة في الجزائر وحتى الدول المجاورة، حيث يستعين به الكثير من الأساتذة والمختصين حسب المتحدث من أجل فهم معاني الكلمات والتدقيق فيها، فمثل هذه التطبيقات في رأيه حصنت “اللهجات الأمازيغية” من الإندثار من خلال ما يمكن تسميته بـ”التداولية الرقمية للغة الأمازيغية” !.
جمعيات ثقافية “تستنجد” بالرقمنة لحماية الموروث اللغوي
إذا كانت الحلول الرقمية من بين الرهانات التي تسعى المؤسسات الرسمية لتجسيدها لتجاوز مختلف الإشكالات القائمة في العديد من القطاعات والمجالات، فهي أيضا رهان حقيقي لجمعيات ثقافية ناشطة في نفس مجال اللغة والثقافة الأمازيغية، فجمعية نوميديا بولاية وهران (1991)، التي تعتمد عليها للحفاظ على هذا الموروث اللساني المهدد بالإندثار، يقول أكلي أوعمارة، نائب رئيس الجمعية، في تصريح لــ”الوطن برس” عن تجربتهم في اللجوء إلى إستعمال الحلول الرقمية في جمع الكلمات والأمثال الشعبية الأمازيغية المتداولة شفاهيا: “بأن هناك العديد من المعضلات التي كانت تواجه الأمازيغية في العديد من مناطق الوطن على غرار إختفاء التراث الشفهي ، لذلك بادرنا في جمعيتنا إلى جمع مختلف الأمثال والقصص المتداولة خاصة في منطقة القبائل وبالضبط بولاية بجاية إلى غاية 2016، وهي السنة التي أعلن فيها الإتحاد الأوروبي عن نداء مشاريع خاصة بالجمعيات الناشطة في التراث الثقافي، وقد إستفدنا طبعا من المشروع بموافقة الجهات الوصية في البلاد، والذي أطلقنا عليه إسم : “الإستخدامات الرقمية لحماية التراث الأمازيغي الشفهي”، حيث يحتوي على أربع أجزاء كاملة، يتضمن جزئه الأول تطبيقات لقصص باللغة الأمازيغية، يضم كتابا وكذلك قرصا مضغوطا فضلا عن موقع الكتروني من أجل التعلم، حيث يمكن للمتلقى الإستماع والتعلم وكذلك الترجمة سواء باللغة العربية أو الفرنسية”.


أما الجزء الثاني حسب محدثنا، فهو عبارة عن “قاموس أونلاين”، حيث يهتم بالعبارات والأمثال المتداولة في الأمازيغية بهدف إتاحة الفرصة للمتلقى من أجل القيام بعملية توظيف الجمل والعبارات، في حين كان الجزء الثالث من المشروع عبارة عن “موقع إلكتروني” مختص فقط في تعليم الأمازيغية، حيث يتيح هذا الفضاء مجموعة من الدروس بغية تعلم المبادئ الأساسية للغة الأمازيغية للمبتدئين، في حين كان تجسيد الجزء الرابع من المشروع في شكل جريدة إلكترونية بالأمازيغية، تحت إسم “الشمس” والتي كانت منبرا إعلاميا يصدر في شكل جريدة ورقية، لكن مع التطور التكنولوجي فضلنا أن نحول الفكرة إلى منصة إلكترونية وهي متاحة للكتابة عن مختلف الأخبار فضلا عن المساهمات التي نتلقاها من الأساتذة والطلبة وكذلك المهتمين باللغة والثقافة الأمازيغية على المستوى الوطني” .
بالموازاة مع هذه المشاريع يقول محدثنا بأن “جمعيتهم دخلت في شراكات متعددة مع مؤسسات رسمية وغير رسمية، على غرار التعاون الذي جمعها مع المحافظة السامية للأمازيغية، خلال السنوات الأخيرة، والذي كُلّل بإصدار قصص للأطفال من التراث الشعبي والشفاهي الأمازيغي بالمتغيرات (القبائلية الشحلية، الزناتية، الشاوية..) وذلك بطريقة “ملتيميديا” حيث تمكن الطفل من الإستماع وتعلم الأمازيغية والمشروع مستمر – حسب محدثنا – لكي يطال مختلف المتغيرات اللسانية الأمازيغية” .
الأمازيغية تقتحم عوالم “الأبعاد الثلاثة” و “الذكاء الإصطناعي” !
جهود المؤسسات الجمعوية، لا تقل أهمية عن تلك المشاريع والمبادرات التي أطلقها العديد من الشباب الجامعي والناشطون الثقافيون في مختلف ولايات الوطن في سبيل حماية اللغة والثقافة الأمازيغية، فسعودي عبد السميع، يُعتبر من بين الشباب الذين إهتموا باللغة الأمازيغية بمختلف مكوناتها اللسانية، بإعتباره متخصص في علم اللهجات الأمازيغية، كما يزاول مهامه كأستاذ مؤقت بجامعة الحاج لخضر باتنة 2، فضلا عن إهتمامه بتطوير تطبيقات رقمية في الهواتف النقالة، حيث كللت مجهوداته بإنشاء تطبيق تحت عنوان : (معرفة الحيونات iɣersiwen Assen) والفاز به بجائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية في محور الأبحاث التكنولوجية والرقمنة، والذي طوره ضمن بيئة ثلاثية الأبعاد حيث يعتمد على نوع من “الذكاء الإصطناعي” الذي يسمح بالتعرف على الحيوانات باللغة الأمازيغية.


يقول سعودي حول آلية عمل هذا التطبيق الرقمي الذي يركز على تعليم الحيوانات باللغة الأمازيغية، بأن : “الصور الموجودة في التطبيق و بمجرد وضعها أمام كاميرا الهاتف يظهر مجسم ثلاثي الأبعاد للحيوان الموجود في الصورة، فهذا المجسم يحتوي على بعض تحركات الحيوان كالمشي، الجري ، القفز”، كما أن البرنامج مرفوق بصوت الحيوان في الطبيعة إضافة إلى نطق تسمية الحيوان بثلاث تنوعات لغوية (الشاوية القبائلية و المزابية ) و أيضا توجد العديد من الأزرار في النافذة الرقمية تسمح للمتلقي بتعلم الكتابة الصحيحة لإسم الحيوان وكذلك التفاعل مع التطبيق من خلال الضغط على الأزرار التي يمكنها رسم الحيوان وتلوينه، فضلا عن إظهاره في الطبيعة، إضافة إلى زر أخر يسهل عملية تذّكر تسميات الحيوانات”.
وعن أهمية التطبيق بالنسبة لتعليم الأطفال يقول سعودي في تصريح لـ “الوطن برس” ، بأنه : “يقوم بتلقين أي متعلم بالأخص الفئات العمرية الصغرى بشكل تفاعلي لشكل وصوت الحيوان الصحيح بطريقة قريبة من الواقع وبشكل ترفيهي بعيد عن ثنائية الأبعاد التي يقدمها الكتاب و كذا التلفاز إنما في شكل ثلاثي الأبعاد حيث يمكن النظر له من زوايا عديدة”، كما يتيح البرنامج الرقمي أيضا حسب سعودي “معرفة الصوت و الشكل الصحيح للحيوان و كذا تلقين النطق الصحيح للحيوانات بالأمازيغية تسمية وكتابة، فضلا عن تسهيل عملية تقريب اللهجات الأمازيغية فيما بينها في شق أسماء الحيوانات خاصة وأن التطبيق يتوفر على ثلاث لهجات أمازيغية، ليس هذا فقط بل يُصب هدفنا أيضا إلى تحبيب تعلم أسماء الحيوانات الأمازيغية سواء للناطقين بها أو لغير الناطقين بها وهذا بسبب حالته التي تمتاز بثلاثية الأبعاد القريبة من الواقع”، يضيف محدثنا.

https://drive.google.com/file/d/1CYqaU4mDIHR1KPooyGLzovPFzA5o62LY/view?fbclid=IwAR2-zrAPPNf0xiUTyr_Nr5qnSDG3_fvLUPtHJnTrvA0etT2GavkYJy5qpvg
فهذا التطبيق حسب المتحدث :”خطوة بسيطة من مجال مفتوح على مصراعيه سواء في مجال الذكاء الإصطناعي أو مجال التجسيد ثلاثي الأبعاد فمستقبل التعليم عموما آيل نحو هذه العصرنة و مستقبل تعليم الأمازيغية لا بد له إقتحام هذا الفضاء الرقمي وشخصيا أملك العديد من المشاريع أتنمى أن أوفق في تجسيدها مستقبلا”.
“أزول” على شاشات الهواتف واللوحات الرقمية !
من جهتها طوّرت أيضا الشابة عقابي شهرزاد، خريجة جامعة الحاج لخضر باتنة 1 سنة 2020، بشهادة ماستر 2، في اللغة والثقافة الأمازيغية في تخصص لسانيات تعليمة، مشروعا رقميا تحت مسمى “تصريف الفعل بالشاوية”، وهو عبارة عن تطبيق في نظام تشغيل الحواسب “Windows “، والذي إفتكت من خلاله جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية هذه السنة، ويقوم هذا البرنامج حسب تصريح عقابي لـ”الوطن برس”، “بـتصريف أفعال اللغة الأمازيغية خاصة المتغير الشاوي منها، فهذا التطبيق حسبها ليس قاعدة بيانات و إنما برنامج يعمل بخوارزميات، فالفعل في اللغة الأمازيغية بصفة عامة وفي اللهجة الشاوية بالتحديد، متعدد و متغير الشكل والمعنى، لهذا حاولت من خلال هذا التطبيق إيجاد حل و صيغة من خلال الرقمنة لهذه المتغيرات بغية توحيد الصرف وتسهيل عملية تعلمه من قبل المهتمين بالمتغير اللساني الأمازيغي الشاوي”.

فهذا البرنامج كما تقول عقابي:” صُمم خصيصا ليخدم المتعلم، وهو ليس قاعدة بيانات لتخزين كم كبير من الأفعال، بل هو محاولة لتصريف أي فعل مهما تغير شكله وطريقة تصريفه، أي يستطيع أن يصرف أكبر عدد ممكن من الأفعال، بطبيعة الحال دون ذكر الحالات الخاصة، ففي أي لغة توجد حالات خاصة فهنالك حالات من الأفعال تم إدخالها في قاعدة البيانات المذكورة” حسب المتحدثة.
لم تقتصر هذه المشاريع والحلول الرقمية على مساهمات الجمعيات وكذلك المبادرات الفردية، بل إرتبطت أيضا بشق مؤسساتي رسمي على غرار مجهودات المحافظة السامية للأمازيغية التي أطلقت بدورها العديد من “البرامج الرقمية” التي من شأنها ترقية وتطوير اللغة الأمازيغية، وفي هذا الصدد يقول محمد موسي، إطار في المحافظة السامية للأمازيغية في تصريح لـ “الوطن برس”، بأن هذه الأخيرة أطلقت سنة 2015 مشروعا رقميا بمعية شركة خاصة تدعى”BY MAS INFORMATIQUE “، تحت إسم “أزول Azul“وهو عبارة عن تطبيق يتيح الفرصة لتعلم اللغة الأمازيغية، فهو يحتوى على أسماء الأشياء وأسماء الحيوانات يتم تحمليه عبر “غوغل بلاي Google Play” بغية تعلم أبجدية وأساسيات قواعدها اللغوية للأمازيغية و يضيف محدثنا، “بأن ذات التطبيق حقق نجاحا معتبرا من خلال عملية التفاعل التي حظي به عبر الهواتف التي تشغل نظام “الأندرويد”، فبعد مرور سبع سنوات لايزال التطبيق يلقى إقبال من قبل مختلف المهتمين بتعلم اللغة الأمازيغية “.
https://play.google.com/store/apps/details?id=com.bmsinformatique.azul&fbclid=IwAR3onFAHZGGS4rq1jPX2REdo-FcXk0qWWnPgVGdGUI6akkrzgEf8WX1-GQo،
هذا البرنامج التعليمي لم يكن الوحيد لذات الهيئة حسبما يقوله محمد موسي، بل جسدت عدة مشاريع تساهم كلها في عملية تعميم تدريس اللغة الأمازيغية ، فالرقمنة في رأيه منحت الفرصة لذات اللغة بكل تنوعاتها اللسانية من أجل البروز خارج الأطر الكلاسيكية المتعارف عليها في عملية تعلم اللغات، فقد فتحت أفاق جديدة، من خلال تجارب ومشاريع طموحة عملت المحافظة على تجسيدها على غرار إنشاء مدرسة إفتراضية من أجل تدريس الأمازيغية، بالشراكة مع مؤسسة “éducation -esy “التي لها تجربة كبيرة في ميدان التعليم الإفتراضي الذي ينتظره الكثير من المهتمين باللغة الأمازيغية ويساهم بالقسط الوفير في ترقيتها وتعميمها، وليس هذا فقط بل أطلقت المحافظة قبل عامين أيضا “مكتبة رقمية” عبر موقها الإلكتروني بهدف تمكين الطلبة والأساتذة والمختصين والمهتمين بالأمازيغية من أجل التعرف على مختلف الإصدارات التي تنشرها هيئتنا كل مرة والإستفادة منها في مختلف المجالات”.
“ثاغمسا” .. حل رقمي للصحفيين الممارسين عبر 27 إذاعة محلية
إستعمالات الرقمنة طالت أيضا فئة الصحفيين الممارسين بالأمازيغية في الإذاعات المحلية، من أجل تذليل مختلف الإشكالات التي يواجهونها في الميدان، لذلك برزت “ثاغمسا” و تعني بالعربية “الصحافة”، كمنصة رقمية جاءت كتتويج للشّراكة بين المحافظة السامية للأمازيغية ومؤسسة الإذاعة الوطنية، وعن فكرة إنشائها يقول الباحث الجامعي والصحفي من إذاعة الشلف بوجمعة ماموني و المكلف بالتنسيق مع الصحفيين في هذا الفضاء الرقمي في تصريح لـ ” الوطن برس”: بأن “المنصة الرقمية المخصصة للمصطلحات الإعلامية بالأمازيغية و المسماة “ثاغمسا”، جاءت بناءًا على توصيات الدورة التكوينية التي نظمتها المحافظة السامية للأمازيغية بالتنسيق مع الإذاعة الجزائرية لفائدة ثلاثين 30 صحفيا من مختلف القنوات المحلية والقناة الوطنية الثانية، بولاية بومرداس في إطار تظاهرة “الجزائر في القلب” شهر جويلية2021، حيث إقترح الصحفيون إعداد معجم جامع للمصطلحات الإعلامية و هو المقترح الذي تم تثمينه من طرف منظمي التظاهرة وأدرج ضمن التوصيات التي تنص على إعداد منصة رقمية للمصطلحات الإعلامية بالأمازيغية وتنجز بشكل تشاركي تفاعلي للصحفيين المعنيين بالدورة التكوينية، وعلى هذا الأساس تم تكليفي في إطار الإستشارة من طرف الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية سي الهاشمي عصاد وبموافقة المدير العام للاذاعة الجزائرية محمد بغالي، بإعداد تصور حول المشروع وبتسيير محتوى هذه المنصة الرقمية” .


وعن أهمية المنصة الرقمية للصحفيين يقول ماموني : “بأنها تعمل على تذليل الصعوبات التي تواجه الصحفيين الممارسين في الميدان سواء بقاعات التحرير أو خلال التغطيات الصحفية لمختلفة للأحداث والفعاليات، كونها تتميز بسهولة الإستخدام والإتاحة في أي وقت ويمكن لأي صحفي أن يبحث عن ترجمة المفردات بمختلف الألسن الأمازيغية، لأننا نحاول -يضيف محدثنا- إدراج أكبر عدد من التنوعات اللسانية الأمازيغية المتداولة في الجزائر وحاليا قمنا بإدراج 09 متغيرات وهي ( تبلديت إڨلي ولاية بني عباس، تمازيغت نبوسمغون، تشاويث، هترڨيث، تزناتيث، تڨرڨرنت نورقلة، تقبايليث، تمزابيث، هشنويث…) وهذا بالنظر إلى توفر الصحفيين الذين يقومون بالترجمة مع إمكانية الإستعانة ببعض الكفاءات في مجال اللغة والثقافة الأمازيغية”، كما يقول المتحدث.
في سياق متصل يؤكد بوجمعة فيما يتعلق بفاعلية هذه المنصة بالنسبة للصحفيين بالقول بأن : ” المنصة لم تدخل بعد حيز الإستخدام من طرف عامة الصحفيين، وإنما تم الإعلان الرسمي عن ميلادها من طرف وزير الإتصال محمد بوسليماني يوم 15فبراير2022، وتم عرض المشروع و توضيح كيفية إنجازه، وبعد الإنجاز التقني للمنصة تم عقد عدة لقاءات تشاورية تحت إشراف الأمين العام للمحافظة السامية للامازيغية سي الهاشمي عصاد، ومتابعة المديرة الفرعية للذات المؤسسة السيدة شريفة بيلاك بهدف التقييم المستمر للعمل، ثم تلتها مرحلة إنجاز حسابات شخصية للصحفيين المكلفين بالقيام بالترجمة وعقبها تم تنظيم دورة تكوينية عن بعد لفائدتهم يوم 26 ماي 2022 ، وحاليا لايزال العمل متواصل لترجمة المصطلحات الإعلامية في مجالي الرياضة والتاريخ كمرحلة أولى على أمل أن تكون جاهزة قريبا”، أما عن كيفية عملها، فيسترسل الباحث في علوم الإعلام والإتصال بوجمعة ماموني، قائلا : ” فهذه المنصة الرقمية تنجز بشكل تشاركي بين صحفيين ناطقين بمختلف الألسن الأمازيغية، وهم الذي يقومون بالترجمة وتتم المصادقة عليها من طرف المختصين ، وهذا يعتبر تأسيسا لوجود هذه التنوعات اللسانية المزمع العمل على تطويرها والقيام بمختلف التحديثات كلما اقتضت الضرورة، فهذه الخطوة –حسبه-” تساهم في إبراز التنوعات اللسانية وكذلك التقارب اللغوي الموجود” .
مضيفا بأنه : ” بعد الإنتهاء من عملية ترجمة المصطلحات الإعلامية إلى مختلف الألسن الأمازيغية المتداولة سيتم نشر ذلك الكترونيا وحتى على شكل مطبوع، وعند قيام الصحفيين أو الجمهور بصفة عامة بالبحث عن ترجمة أي مصطلح ستظهر الترجمة بالعربية والإنجليزية والفرنسية وبالألسن الأمازيغية وهنا يكتشف الصحفي والقارئ بصفة عامة حجم التقارب الموجود، فكل صحفي يبحث عن الترجمة باللسان الذي يمارس به العمل الصحفي مع تمكنه من الإطلاع على التقارب الموجود بين مختلف الألسن الأمازيغية، ليس هذا فقط -كما يقول محدثنا-، بل أن هذه الخاصية ستُساعد الباحثين والأكاديميين أيضا في الدراسات العلمية وحتى في حالة التوجه إلى اللغة الأمازيغية المعيارية سيكون ذلك سهلا لهم على الأقل في المجال الإعلامي لأن المنصة تركز على ترجمة المصطلحات الأكثر إستخداما من طرف الصحفيين والإعلاميين”.
نحو تجاوز الإشكالات القائمة
ومن خلال مما سبق و بالرغم من أهمية التقدم الذي تحرزه الأمازيغية بالميدان منذ سنوات طويلة في مختلف القطاعات والفضاءات العامة ، إلا أن البعض يرى بأنها لاتزال تواجه ببعض “الإشكالات” التي يمكن أن تشكل عائقا أمام اللغة الأمازيغية نحو التعميم سواء للناطقين أو لغير الناطقين بها، خاصة ما يتعلق بالحرف الذي تدون به، فضلا عن وجود 14 متغير لساني أمازيغي عبر التراب الوطني حسبما ماتم مناقشته خلال الملتقي الأكاديمي الموسوم : الخريطة اللسانية الأمازيغية في الجزائر”، والذي تم تنظيمه من قبل المحافظة السامية للأمازيغية وجامعة أدرار سنة 2021.



و في ظل تركيز العديد من الأطراف على”قضية الحرف” كإشكال بارز، يرى البعض الآخر بأن الأمر لم يعد يشكّل أي عائق أمام عملية التعميم، خاصة في ظل وجود تطبيقات وإبتكارات وحلول تكنولوجية، ناجمة عن مبادرات فردية، جمعوية، مؤسساتية، وهو ما سيدفع دون شك نحو تجاوز هذه الإشكالات حسبما أوضحه سي الهاشمي عصاد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، الذي يرى بأن هيئته تجاوزت “قضية الحرف” من خلال إعتماد التدوين الثلاثي (التفيناغ، اللاتيني، العربي) عبر تشجيع عملية التأليف والإبداع في مختلف المجالات وبجميع التنوعات اللسانية الأمازيغية المتداولة وطنيا والمقدرة بـ 14 متغير لساني، فالحلول الرقمية في نظره حقيقة ملموسة، إضافة إلى الجهود المؤسساتية المبذولة، يمكن لها أن تُساهم في عملية تدوين الأمازيغية، فهي حسبه تحافظ على مختلف المتغيرات من الإنقراض، كما أنها تمنح للجميع القدرة على الكتابة بالحرف الذي يُسهل عملية صون هذا التراث اللساني الشفاهي الغني في ظل التهديدات التي تواجه بعض المتغيرات بالإندثار بفعل العديد من العوامل على غرار الزمن، و هذا في إنتظار الوقت المناسب الذي سيتم فيه الحسم نهائيا في مثل هذه المواضيع ” حسب قول المتحدث.
ومن بين المبادرات الرسمية كذلك التي من شأنها أن تساهم في نقل الأمازيغية من حالتها الشفوية والكتابية إلى إستعمالات حديثة عبر تطبيقات رقمية، تبرز جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية، التي تم إطلاقها قبل سنتين والتي تهدف إلى تشجيع الأبحاث العلمية، في اللسانيات، التراث اللامادي، الترجمة، فضلا عن محور رابع تم تخصيصه للأبحاث العلمية التكنولوجية والرقمنة، والذي شهد إقبالا كبيرا من المشاركين خلال الطبعتين السابقتين اللتين فاز بها العديد منهم بجوائز نظير أعمالهم المقدمة في سبيل ترقية وتطوير الأمازيغية عبر تطبيقات حديثة متعددة الإستعمالات، وهو الهدف المسطر في هذا المحور حسب عصاد، والمتمثل في تشجيع الحلول الرقمية لمواجهة لمختلف التحديات التي تصادف الأمازيغية بمختلف تنوعاتها اللسانية المتداولة .
كما تطمح هيئته بمعية وزارة الإتصال كما يقول محدثنا، إلى إطلاق مشروع جريدة إلكترونية عمومية باللغة الأمازيغية في المستقبل القريب، وهذا إنسجاما مع مخرجات دستور نوفمبر 2020 الذي كرّس نهائيا الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية وهو ما يعطيها – حسبه – كل الأحقية للحضور في مختلف الفضاءات بما فيها “وسائل الإعلام الوطنية”، مذكرا في سياق متصل بفعالية المشروع الذي تم إطلاقه بمعية الإذاعة الوطنية والمتعلق بالمنصة الرقمية “ثاغمسا” الخاصة بالصحفيين الممارسين لتقريب المصطلحات والمفاهيم المتداولة في الفضاء الإعلامي عبر 27 إذاعة وطنية محلية تحضر فيها الأمازيغية عبر البرامج والمضامين الإعلامية الأثيرية.
الرقمنة .. خطوة أخرى نحو تعميم الأمازيغية !
ما يمكن إستنتاجه من خلال هذه المجهودات الفردية والجمعوية والرسمية الخاصة بإستعمالات التقنيات الجديدة في تطوير وترقية اللغة الأمازيغية، هو أن الرقمنة منحت للأمازيغية حيزا كبيرا للحضور في مختلف المجالات والفضاءات، فهي كما يقول الأستاذ عبد السميع سعودي، ” فرضت واقعها بدون تحيز أو تمييز فقد قفزت بإستعمال الأمازيغية في المجتمع الجزائري قفزة نوعية و أعطت لها بعدها العلمي”، وكذلك المجتمعي حتى أصبحت الأمازيغية متاحة لجميع الفئات سواء للناطقين و لغير الناطقين بها وبمختلف المتغيرات اللسانية المتداولة ، وهو ما يتيح لها فرصة التعميم عبر كامل التراب الوطني.
فهذه الخطوات المهمة ليست سوى إستكمال لميسرة “الأجداد” الذين عملوا على صون هذه التركة اللسانية الوطنية النادرة، من خلال عملية التدوين والإنتقال بها من صورتها “الشفاهية” إلى “الكتابية”، قبل أن يأتي جيل جديد يعيش في “بيئة رقمية” متعددة الأبعاد لم يتوانى في إستغلال مخرجاتها ليقوم هو أيضا بدوره في الحفاظ “رقميا”على هذا الموروث اللساني والثقافي من الإنقراض والزوال.
- روبورتاج : أحمد لعلاوي



